تقارير وحوارات

مؤرخة الكنيسة.. اعترف بفضلها “السادات” وغضب منها “البابا شنودة”.. إليك تفاصيل حياتها

مؤرخة الكنيسة “إيريس المصري”، نموذج للمرأة المصرية والقبطية العاشقة للعلم والمنقبة في التاريخ القبطي والفرعوني،

لتخلد اسمها فيالداخل والخارح بموسوعة تحت عنوان “قصة القبط”، وهي الموسوعة التي أشاد بها الرئيس السادات – في

عهده- قائلا”أنني مدين لك بالكثير وأنني تتلمذت علي كتبك ومؤلفاتك “.

عن موسوعتها العظيمة الخاصة بتاريخ الكنيسة تقول “إيريس” في مقالة لها نشرت في مجلة مدارس الأحد بتاريخ “أبريل-

اغسطس 1980 ” بعنوان “مسار قصة الكنيسة القبطية ” “إن الهدف الرئيسي الذي وضعته أمامي عند كتابة “قصة الكنيسة

القبطية ” هو تقديم الدليل المادي المحسوس للعالم الغربي علي قدرة المراة القبطية علي الكتابة بلغة يفهونها لتعلمهم

أمجاد الكنيسة القبطية؛ والهدف الثاني، هو أن تبين للمواطن المصري سواء المسلم او القبطي الدور الوطني الكبير الذي

لعبته الكنيسة القبطية علي مر العصور من خلال الثبات علي العقيدة الآرثوذكسية”.

الرئيس أنور السادات والبابا شنوده الثالث
الرئيس أنور السادات والبابا شنوده الثالث

محطات في حياة  مؤرخة الكنيسة

ولدت إيريس حبيب المصري في 10 مايو 1910 وتوفيت في 2 يوليو 1994، والدها حبيب المصري كان وكيل المجلس الملي

العام، للكنيسة القبطية الارثوذكسيه، وكان لها اثنين من الأخوة أمين الذي كان جراحا بارزا، وتوفي في الخمسينات من القرن

الماضي، وسامي الذي كان مدير مكتب مصر للسياحة في لندن، واثنين من الاخوات ايفا، التي ساعدت ايريس في عملها

ودورا.

لم تكن “إيريس” شخصية عادية ولكنها كانت إمرأة استثنائية، قررت أن تسلك دروب العلم فتلقت تعليمها في كلية البنات

الأمريكية مما أعطاها فرصة رائعة لاتقان اللغة الانجليزية؛ كما أنها تعرفت في صباها علي العالم الكبير يسي عبد المسيح (

1898- 1959 ) وكان يتقن اللغة القبطية قراءة وكتابة بحكم عمله كأمين لمكتبة المتحف القبطي ؛فتعلمت علي يديه اللغة

القبطية حتي أتقنتها تماما.

إيريس المصري مؤرخة الكنيسة
إيريس المصري مؤرخة الكنيسة

 

مؤهلات إيريس المصري

 

حصلت “إيريس” على ليسانس في الآداب، تخصص في التعليم من كلية جامعة لندن في 1938، وبعد تخرجها من كلية

البنات أوفدتها وزارة المعارف في بعثة إلي لندن لدراسة علم النفس وتربية الطفل لمدة ثلاث سنوات؛ وبعد حصولها علي

الدبلوم عادت الي مصر وعملت مدرسة بمعهد التربية التابع لوزارة المعارف؛ شاركت في تأسيس “جمعية السيدات القبطية

لتربية الطفولة “.

في عام 1948 نشرت المجلد الأول من المجلدات التسعه التي تمكنت من جمعها وتوثيقها لكتابة تاريخ الكنيسة القبطية

الارثوذكسيه بعنوان(قصة الكنيسة القبطية).

وفي عام 1953 جائتها فرصة لبعثة أخري لدراسة علوم القبطيات في جامعة “دروبسي ” علي يد أستاذ أمريكي يدعي ”

كيروس جوردون ” ؛ ولقد قامت بإلقاء سلسلة من المحاضرات عن مصر وعن الكنيسة القبطية في الإذاعة والتلفزيون الأمريكية

وفي فروع جمعية اتحاد السيدات الجامعيات.

في 1954، عين البابا يوساب الثاني ايريس مندوب الكنيسة القبطية إلى الجمعية الثانية للمجلس العالمي للكنائس في

ايفانستون، الينوي، الولايات المتحدة الأمريكية، أعقب ذلك سفرها إلى لندن لندن للحصول على مزيد من المواد والوثائق،

وخلال الفترة من 1955 إلى 1985، عملت “إيريس” كمحاضرة في التاريخ القبطي في الكلية الإكليركية في كل من القاهرة

والإسكندرية وفي معهد الدراسات القبطية. في 1959 قامت ايريس حبيب المصري بتسجيل اسمها في قوائم انتخاب

البطريرك وقامت خمسه وثلاثين سيدة قبطية بتسجيل أسمائهن أيضاً للأشتراك في أنتخاب البطريرك، ولكن وكيل المجلس

الملى شطب أسمائهن حتى قبل تغيير اللائحه.

 

لماذا “قصة القبط”

 

فكرة كتابة تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية في مصر جائتها، أثناء إلقائها محاضرة في أمريكا عندما سألتها إحدي السيدات

الأمريكيات “إن كنتم لا تكنتبون عن كنيستكم بلغة نستطيع أن نقرأها فلماذا تلومننا إن نحن جهلناها ؟!” فأعتبرت كلامها هذا

نوع من التحدي لها ؛ فقررت فور عودتها إلي الوطن الحبيب مصر أن تركز جهودها علي كتابة تاريخ الكنيسة القبطية باللغة

الإنجليزية حتي يستطيع الأجانب أن يقرأوه.

ورغبة منها أن لا تجعله مادة دراسية جافة ؛آثرت أن تكتبه في شكل قصة ؛وأسمته “قصة القبط the Story of the Copts ”

وذلك أسوة برائعة وول ديورانت ( 1885- 1981 ) ) “قصة الحضارة، ثم عاتبها بعض الأقارب فيما بعد قائلين لها لماذا تكتبين

للأجانب ولا تكتبي بالمثل لبني وطنك من المصريين ؟؛ فقررت لحظتها أن تعيد كتابة ما كتبته باللغة الإنجليزية مرة أخري إلي

اللغة العربية ؛ وأرسلت مخطوطة الجزء الأول منها إلي الأب متي المسكين ( 1919- 2006 ) ؛ فأشار عليها أن تنشر

الاقتباسات التي أقتبستها من الكتاب الأجانب بلغتها الأصلية في الهامش؛ ثم ترجمتها باللغة العربية في نفس الهامش؛

وذلك حتي تقطع الفرصة علي كل من يشكك في دقة الترجمة أو أمانتها ؛ وهذا ما فعلته بعد ذلك في كل كتبها.

وذكرت في مقالة لها نشرت في مجلة مدارس الأحد بتاريخ “أبريل- اغسطس 1980 ” بعنوان “مسار قصة الكنيسة القبطية ”

أن الهدف الرئيسي الذي وضعته أمامي عند كتابة “قصة الكنيسة القبطية ” هو تقديم الدليل المادي المحسوس للعالم

الغربي علي قدرة المراة القبطية علي الكتابة بلغة يفهونها لتعلمهم أمجاد الكنيسة القبطية ؛والهدف الثاني، هو أن تبين

للمواطن المصري سواء المسلم او القبطي الدور الوطني الكبير الذي لعبته الكنيسة القبطية علي مر العصور من خلال الثبات

علي العقيدة الآرثوذكسية ؛ حيث أن المعرفة الحقيقية لتاريخ كنيستنا المحبوبة من أهم الدوافع إلي تقوية إيماننا بالله

ومحبتنا لوطننا وثقتنا بأنفسنا .

مؤرخة الكنيسة وقصة الكنيسة القبطية
مؤرخة الكنيسة وقصة الكنيسة القبطية

وساهمت “إيريس” في إنشاء معهد الدراسات القبطية سواء بالتمويل أو بالتدريس في قسم التاريخ الكنسي بالمعهد.

 

مؤرخة الكنيسة والرئيس السادات

 

“أنني مدين لك بالكثير وأنني تتلمذت علي كتبك ومؤلفاتك “، هكذا قال لها الرئيس أنور السادات عندما التقى بها في يوم 25

ديسمبر 1980؛ أثناء لقاءه بأعضاء مجلسي الشعب والشوري من الأقباط ؛ وكانت فترة احتقان طائفي كبير ؛فسألته أن يصنع

مبادرة مع الكنيسة ؛ فأطرق برأسه قليلا ؛وقال أمام جميع الأقباط الحاضرين، هذه المقولة.

عينها الرئيس الراحل محمد أنور السادات عضوا في مجلس الشوري في عام 1980؛ حيث كان معجبا أشد الأعجاب بكتابها

عن قصة الكنيسة القبطية؛ ولقد أبدي صراحة إعجابه الشديد بكتابها هذا في ثلاث مناسبات مختلفة :- المناسبة الأولي

عندما ذهب ليعزي في رحيل قداسة البابا كيرلس السادس ؛ إذ قال للآباء الحاضرين أنه حريص علي إعادة أمجاد كنيسة

الإسكندرية ؛ والتي تعرف علي تاريخها من خلال كتب الأستاذة إيريس حبيب المصري . المناسبة الثانية في الخطاب الذي

ألقاه أمام القيادات الدينية الإسلامية والمسيحية في 9 فبراير1977 ؛ حيث أشاد بكتابها وبالمقدمة التي كتبها لها الأستاذ المسلم.

الرئيس الراحل أنور السادات
الرئيس الراحل أنور السادات

 

مؤلفات مؤرخة الكنيسة القبطية والفرعونية

 

أثرت “إيريس” المكتبة القبطية بالعديد من الكتب الرائدة ؛ لعل أشهرها هي موسوعتها الكبري قصة الكنيسة القبطية في

تسعة أجزاء ؛ الجزء الأول ويبدأ من رحلة العائلة المقدسة إلي أرض مصر حتي عام 435 م ؛ الصادر عام 1961 والجزء الثاني

ويحتوي علي الفترة الواقعة ما بين (435- 948م )؛ الصادر عام 1968، والجزء الثالث ويحتوي علي الفترة الواقعة ما بين ( 948-

1518 م)، الصادر عام 1971، أما الجزء الرابع ويحتوي علي الفترة الواقعة ما بين ( 1526- 1870 م) ؛والصادر عام 1975، والجزء

الخامس ويحتوي علي الفترة الواقعة ما بين (1870- 1927 م )، الصادر عام 1984، والجزء السادس الذي صدر علي جزئين؛

الجزء الأول يضم الفترة الواقعة ما بين ( 1928- 1946 )؛ أما الجزء الثاني فيضم الفترة الواقعة ما بين ( 1946- 1956 ) ؛ الصادر

عام 1985، والجزء السابع ويضم الفترة الواقعة ما بين ( 1959- 1971 ) وهو عصر البابا كيرلس السادس والصادر عام 1988،

والجزء الثامن ويضم بعض الشخصيات المضيئة في تاريخ الكنيسة وعن تعاليم آباء الصحراء وعن المخطوطات في الأديرة والفن

في المسيحية ؛ الصادر عام 1988، والجزء التاسع ويضم سيرة ستة عشر شخصية معاصرة ما بين كهنة وعلمانيين ؛ والصادر

عام 1990.

وتشمل قائمة مؤلفات  مؤرخة الكنيسة    أيضا كتاب “السيدة العذراء 1970″، والمرأة في الكنيسة القبطية 1979، وتأثير

الفرعونية على الحياة القبطية الحديثة، الصادر في 1980، والأنبا صموئيل 1983، وكتاب “القمص بيشوى كامل”، الصادر 1980،

وكتاب “حبيب باشا  المصري” الصادر 1971.

ولم تقتصر جهود إيريس حبيب المصري علي مصر القبطية فقط ؛ بل أمتدت أيضا إلي مصر الفرعونية؛ فهي تقول في كتابها ”

لماذا نسينا”: ” من العجب العجاب ان الإنسان حيثما سار يجد كل شعب معتزا بتراثه مهما كان ضئيلا ! والاعجب اننا تناسينا

تراثنا الى حد بعيدا”.

البابا شنوده الثالث
البابا شنوده الثالث

 

إيريس المصري وسلسلة مقالات في المجلة الجديدة

 

وفي عام 1938 كتبت “إيريس” سلسلة من المقالات في مجلة “المجلة الجديدة ” التي كان يرأس تحريرها الكاتب “سلامة

“موسي ” ( 1887- 1958 ) عن أشهر الملكات المصريات في العصر الفرعوني، كما كتبت سلسلة كتب رائعة عن التواصل

الحضاري بين مصر الفرعونية ومصر القبطية؛ منها “ظل الخيرات العتيدة ” ؛و”لماذا نسينا ؟ وقائع أعجب من الخيال ” و”مسيحنا

فوق الزمان ” .

وفي كتابها “ظل الخيرات العتيدة ” وفي الفصل الأول منه وعنوانه “أبرز السمات المصرية ” تؤكد الكاتبة أن المساواة بين

الشعوب هي أبرز سمات المصريين؛ ويظهر هذا جليا وبوضوح علي جدران معبد أبيدوس؛ وفي اللوحة التي تصور منظر

المحاكمة ؛نجد زنوج ولبيبون سوريون ؛ ونجد مترجمون يقفون إلي جانبهم ليترجموا اعترافاتهم أمام أوزوريس .

 

وفي كتاب  مؤرخة الكنيسة   ” وقائع أعجب من الخيال ” ترصد تشابه آخر للصلوات الفرعونية مع الصلوات القبطية ؛ فالصلاة

الفرعونية تقول :- (يا سيدي من عمق حكمتك علمني أن اكون شعلة لأولئك الذين في الظلام لكي أملأ قلوبهم دفأ وأنير

ظلامهم ؛ إلي أن يتمكنوا من بمعرفتهم أن يشعلوا نارهم الذاتية ؛وبإشعالها يستطيعون مغادرة الظلام ليعيشوا في وهج

الشمس ) أما الصلاة القبطية فتقول ( ليشرق علينا نور وجهك ؛وليضيء علينا نور علمك الإلهي ؛وأجعلنا يا سيدنا أن نكون

بني النور وبني النهار ….. ألخ ).