أخبار مصر

ياسر السجان يكتب: بكاء الأبواب المغلقة

تطل علينا بعض الحوادث يوما بعد آخر فنصدم بخبر وفاة شخص داخل شقته وفاة طبيعية وتمر الأيام والشهور والسنوات ولا أحد يشعر بغيابه
نجد جثامين ظلت لعام واثنين وثلاثة في صمت مطبق لا جار يسأل ولا قريب يزور ولا صوت يطرق الباب ليطمئن
بيوت مغلقة وأبواب موصدة وحياة توقفت داخلها ولم يتوقف أحد عندها إلا بعد أن فاحت الرائحة أو بعد أن تراكمت الفواتير
هل وصل بنا الحال إلى هذا البعد هل أصبحنا غرباء نسكن في عمارة واحدة ولا نعرف أسماء بعضنا
كنا فيما مضى نسأل عن المريض ونعود الغائب ونواسي الحزين ونتقاسم رغيف الخبز وضحكة الصباح
اليوم نعيش في عصر التكنولوجيا وثورة التواصل الاجتماعي التي قربت البعيد وأبعدت القريب
أصبحنا نكتب لبعضنا على الشاشات ونسينا أن نطرق الأبواب
نرسل رسائل التهنئة وننسى أن نسأل عن الوحدة التي تقتل في صمت
نشر صورنا ونضحك ونتفاعل ونحن لا نعلم أن جارنا في الشقة المقابلة مات وحيدا ولم يجد من يودعه
أي زمن هذا الذي نعيش فيه زمن السرعة والضجيج والانشغال بالذات حتى ضاعت معاني الرحمة
أي مجتمع هذا الذي يترك إنسانا يموت دون أن يفتقده أحد دون أن يبكيه أحد دون أن يشعر بغيابه أحد
الانفصال الاجتماعي لم يعد كلمة في كتب علم النفس بل أصبح واقعا نعيشه كل يوم
صار كل فرد جزيرة مغلقة على نفسه يخاف من الفضول ويتهرب من المسؤولية ويبرر الصمت بأنه احترام للخصوصية
ولكن أي خصوصية هذه التي تدفن إنسانا حيا قبل أن يدفن ميتا
أين نحن من وصية الجار للجار ومن سؤال الأهل عن بعضهم ومن زيارة المريض وتفقد المحتاج
أين نحن من ديننا الذي جعل الإحسان إلى الجار عبادة ومن عاداتنا التي كانت تجعل الحارة كلها أهلا واحدا
لقد استبدلنا الدفء بالشاشات واستبدلنا السؤال باللايك واستبدلنا الحضور بالستوري
فصرنا نرى كل شيء إلا بعضنا
المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها المشكلة في قلوبنا التي قست وفي أولوياتنا التي تغيرت وفي سباق الحياة الذي جعلنا نركض ولا نلتفت
صرنا نخاف أن نثقل على أحد فاخترنا أن نختفي واخترنا أن ننسى أن الإنسان لا يحيا وحده
حتى الموت أصبح خبرا عابرا على مواقع التواصل نترحم عليه بقلب بارد ثم نمر إلى الخبر التالي
كم من أم ماتت ولم تعرف ابنتها إلا بعد أيام وكم من أب مات ولم يسأل عنه أبناؤه وكم من شاب مات ولم يعلم أصدقاؤه إلا بالصدفة
هذه ليست حالات فردية هذه مرآة لمجتمع بدأ يفقد إنسانيته شيئا فشيئا
الحزن ليس على من مات وحده الحزن على من بقينا أحياء ومتنا من الداخل
الحزن على قلوب تجمدت وعلى علاقات بهت وعلى بيوت تحولت إلى مقابر مفتوحة
نحتاج أن نعود إلى بعضنا قبل أن نعود إلى المقابر
نحتاج أن نطرق باب الجار ونسأل عن الصديق ونطمئن على القريب ولو بكلمة
نحتاج أن نكسر جدار الصمت الذي بنيناه بأيدينا
لأن الحياة قصيرة ولا تستحق أن نعيشها غرباء ثم نموت غرباء
فليكن سؤالنا عن بعضنا صدقة وليكن حضورنا جبرا وليكن ودنا دواء
قبل أن نصبح خبرا في نشرة الحوادث يقرأه الناس بحزن ثم ينسونه