النائب محمد اسماعيل يكتب: كلمة حق

مع اقتراب إسدال الستار على دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الثالث، يحق لنا أن نتوقف أمام تجربة برلمانية شهدت العديد من القضايا والتحديات، وأن نُقيّم الأداء بإنصاف، بعيدًا عن الانتماءات، وقريبًا من الحقائق.
ومن بين الشخصيات التي فرضت حضورها تحت قبة البرلمان خلال هذا الدور، يبرز اسم النائب أحمد عبدالجواد، النائب الأول لرئيس حزب مستقبل وطن والأمين العام للحزب، والذي استطاع أن يقدم نموذجًا سياسيًا يقوم على الإدارة الهادئة، والحوار، والقدرة على صناعة التوافق في أصعب الملفات.
فلم يكن دوره مجرد قيادة للأغلبية البرلمانية، بل نجح في أن يجعلها أغلبية واعية تمارس دورها التشريعي والرقابي معًا. دعم الحكومة حينما أصابت، ولم يتردد في استخدام الأدوات البرلمانية لتصويب المسار عندما استدعت مصلحة الوطن والمواطن ذلك، وهو ما أعاد التأكيد على أن الأغلبية الحقيقية لا تعني التصفيق، وإنما تعني تحمل المسؤولية.
والأهم من ذلك، أن أحمد عبدالجواد نجح في بناء علاقة سياسية راقية مع المعارضة، قائمة على الاحترام المتبادل، لا على الصدام. وهو أمر نادر في الحياة البرلمانية، لكنه كان حاضرًا بوضوح داخل اللجان النوعية والجلسات العامة، حيث تحولت الخلافات إلى حوار، وتحولت وجهات النظر المختلفة إلى حلول توافقية.
وقد لمست ذلك بنفسي في أزمة التأمينات، حين كانت الأمور تتجه إلى حالة من الاحتقان. لكن عبدالجواد اختار طريق الحوار، واستطاع أن يقود نقاشًا مسؤولًا بين الحكومة، وهيئة التأمينات، والنواب من الأغلبية والمعارضة، حتى تم التوصل إلى حلول عملية، كان من بينها صرف عشرة آلاف جنيه لأصحاب المعاشات المستحقين وفق ما أُعلن آنذاك، ثم استكمال معالجة الإشكاليات بالتوافق خلال فترة وجيزة، لتنتهي أزمة كانت مرشحة للتصعيد، فإذا بها تتحول إلى نموذج في إدارة الخلاف.
ثم جاءت مناقشات مشروع قانون مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وهو أحد أكثر القوانين أهمية وحساسية خلال هذا الفصل التشريعي، بل وربما كان من أكثر الملفات التي راهن البعض على استغلالها سياسيًا لإثارة الجدل.
لكن هنا ظهر الفارق بين الإدارة السياسية والانفعال السياسي.
داخل اللجان المشتركة، برئاسة المستشار الجليل محمد عيد محجوب، أدار أحمد عبدالجواد الحوار بمنتهى الهدوء والثقة. استمع لكل الآراء، ولم يغلق بابًا أمام أي مقترح جاد، وكانت النتيجة إدخال تعديلات واسعة على مشروع القانون، شملت عشرات المواد، إلى جانب استحداث مواد جديدة، بما حقق قدرًا كبيرًا من التوافق، دون الإخلال بفلسفة القانون أو أهدافه.
وحين انتقلت المناقشات إلى الجلسة العامة، جاءت كلمته معبرة عن رؤية سياسية متماسكة، تؤكد أن قوة التشريع لا تأتي من تمريره بالأغلبية فقط، وإنما من قدرته على استيعاب الرأي الآخر وصناعة توافق وطني حوله.
ولم يكن من اللافت إشادة نواب الأغلبية بهذا الأداء، بل كانت القيمة الحقيقية في كلمات عدد من أبرز نواب المعارضة، ومنهم ضياء داود، وعبد المنعم إمام، وإيرين سعيد، الذين أشادوا بمناخ الحوار الذي سبق خروج القانون، وهو تقدير يعكس نجاح عبدالجواد في إدارة واحد من أصعب الملفات التشريعية خلال هذا الدور.
هذه القدرة على الجمع بين الحسم والمرونة، وبين الدفاع عن رؤية الدولة والاستماع إلى الرأي المخالف، هي التي صنعت لهذا الأداء خصوصيته، وأثبتت أن السياسة ليست معركة لكسر الخصوم، وإنما فن الوصول إلى أفضل الحلول.
وفي النهاية، فإن نجاح أي مؤسسة تشريعية لا يُقاس بعدد القوانين فقط، وإنما بالطريقة التي خرجت بها تلك القوانين، ومدى التوافق الذي تحقق حولها، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين.
كل التحية والتقدير للنائب أحمد عبدالجواد، الذي قدم خلال هذا الفصل التشريعي نموذجًا في الإدارة السياسية الهادئة وصناعة التوافق، والتحية لمجلس النواب المصري، أغلبيةً ومعارضةً، عندما يكون الاختلاف وسيلة للإصلاح، ويكون الوطن هو نقطة الاتفاق التي لا يختلف عليها أحد





