أخبار مصر

ياسر السجان يكتب: غرباء تحت سقف واحد

نعيش في زمنٍ صار فيه البيت فندقًا كبيرًا وكل غرفةٍ فيه جناحٌ منعزل لا يربطها ببعضها إلا بابٌ مشترك ومفتاحٌ ضائع لا أحد يعرف مكانه
نأكل على موائدَ مختلفة وإن كانت من الطبق نفسه ونشرب من الماء نفسه وإن كنا نرتوي من عطشٍ مختلف لا يشبه عطش الآخرين
الأب في غرفةٍ يتصفح أخبار الغرباء ويتابع حياة أناس لا يعرفهم والأم في غرفةٍ ترد على رسائل لا يعرفها أحد وتضحك لشاشة لا تراها الأسرة والأبناء في غرفهم يعيشون حيواتٍ كاملة من الأصدقاء والألعاب والقصص لا نعلم عنها شيئًا
صرنا غرباء في وسط أهلينا وصار الصمت اللغة الرسمية للبيت وصار السؤال عن الحال تهمةً ثقيلة لا يجرؤ أحد على طرحها خوفًا من الإجابة

الجحود لم يعد كلمةً في كتاب قديم بل صار سلوكًا يوميًا نمارسه دون أن نشعر ودون أن نعترف
ابنٌ يرى أباه يتعب كل يوم ولا يسأله هل أنت بخير وابنةٌ تسمع أنين أمها في الغرفة المجاورة ولا تقوم إليها وولدٌ يحسب الأيام لينتظر ميراثًا قبل أن يبرد الجسد وآخر يغلق الباب في وجه من ربّاه وعلمه كيف يمشي
نبرر ذلك بالانشغال وبالحياة وبالضغط وبالظروف ولكن الحقيقة المرة أننا اخترنا البُعد بإرادتنا لأن القرب يوجع ولأن المسؤولية تُثقل ولأن الاعتراف بالتقصير يكسر كبرياءنا الذي نضخمه كل يوم

الجرائم الأسرية لا تبدأ بسكين ولا بصراخ ولا بدم على الأرض
تبدأ بهجرانٍ صغير يتكرر كل يوم وبكلمةٍ باردة تُقال بلا مبالاة وبغيابٍ متعمد عن المناسبات الصغيرة وبوجبةٍ تُؤكل وحيدًا أمام شاشة وبعيد ميلادٍ يمر دون أن يتذكره أحد وبمرضٍ يُعالج في صمت دون يد تمتد
تبدأ حين يصبح الأب رقمًا في فاتورة الكهرباء والأم خادمةً بلا أجر ولا شكر والجد عبئًا نتمنى أن ينتهي سريعًا حتى نرتاح
وتبدأ حين نعلم أولادنا في المدارس والدروس أن النجاح أهم من صلة الرحم وأن المال أهم من السؤال وأن الكرامة في الابتعاد لا في الاحتواء وأن القوة في أن تعتمد على نفسك حتى لو مت وحدك

أخطر ما في الأمر أننا نسمي هذا تحضرًا ونسميه خصوصية ونسميه استقلالية ونصفق له
بينما هو في جوهره موتٌ بطيء للروابط التي كانت تحمينا من السقوط
بيوتٌ كثيرة الآن فيها أرواحٌ تنتظر من يلتفت إليها وفيها شيخوخة تموت من الوحدة قبل أن يأتيها الأجل وفيها أطفال يكبرون ولا يعرفون شكل حضن العائلة
المجتمع الذي كان بالأمس يتفقد جاره ويطرق بابه بالطعام اليوم لا يعرف اسم ابن عمه ولا رقم أخته
والعائلة التي كانت بالأمس سندًا في الشدة صارت مجموعة أفراد يجمعهم لقب في البطاقة ولا تجمعهم مودة ولا رحمة

نربي أولادنا على الهواتف ثم نشتكي أنهم لا يسمعوننا ولا يروننا
ونترك كبارنا أمام التلفاز ساعات طويلة ثم نبكي بحرقة حين يرحلون دون وداع ودون كلمة أخيرة
نصور العائلة السعيدة على مواقع التواصل ونحن في نفس البيت لا نتحدث منذ أسابيع
نحتفل بالغرباء ونهمل الأقربين ونعزي الناس على الواتساب وننسى أن الباب المجاور يصرخ من الوحدة

العلاج ليس في الخطب الرنانة ولا في المواعظ التي ننشرها ولا في المنشورات التي نشاركها
العلاج يبدأ من الداخل من قرار بسيط أن نكسر هذا الجدار الزجاجي الذي بنيناه بأيدينا بيننا
في أن نسأل بصدق كيف حالك لا كمجاملة عابرة بل كسؤال ينتظر إجابة
في أن نجلس على أرضٍ واحدة دون شاشات ونأكل من طبقٍ واحد ونحكي
في أن نتذكر أن الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله وأن البر لا يبلى والذنب لا يُنسى

قبل أن نبحث عن المجرم في الخارج فلنبحث عن الغريب الذي يسكن داخلنا والذي يخاف من القرب
وقبل أن نندم على جنازة لم نحضرها فلنحضر الحياة التي نهرب منها كل يوم بحجة العمل والدراسة والتعب
فالبيوت التي بلا دفء تصبح مقابر مؤجلة والقلوب التي بلا أهل تصبح صحراء قاحلة لا ينبت فيها شيء

وإن لم نستيقظ اليوم ونراجع أنفسنا فغدًا سنكتشف متأخرين أننا عشنا ومُتنا بين غرباء
غرباء كان اسمهم يومًا أهلنا وكانوا أقرب الناس إلينا وكانوا يستحقون منا كلمة واحدة فقط