سلايدرفنون

شاهندة محمد على تكتب: العلاقة بين الدولة والمواطن

الحياة لوحة مليئة بالألوان، ولكل منا لونه الخاص الذى يعبر عنه. ولكن من الممكن أن تاتي لحظة لا نعلم فيها ما هى دلالة اللون؛ أى الحقيقة. فى تلك اللوحة الاجتماعية، أي ذلك الهرم الاجتماعى. وعن طريق الألوان في اللوحة التي تتراص فيها الطبقات الاجتماعية عرض المخرج المكسيكى “مایکل فرانكو” فى فيلمه ” New Order ” العلاقة بين المواطن والدولة، ذلك الفيلم الذى عرض في فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ (42)، في القسم الرسمي خارج المسابقة.

بين الفن التشكيلي والصراع
يُفتتح الفيلم بلوحة سريالية، تظهر من وقت لآخر داخل أحداث الفيلم وتستخدم كقطعة ديكور. فهى مليئة بالألوان الدافئة والقليل من الألوان الباردة ثم تظهر عدة لقطات سريعة متتابعة ، فتظهر جثث غارقة في دمائها وعليها بقع خضراء، وأثاث يسقط من الأعلى ثم يتحطم، وعليه أيضًا بقع خضراء، وفتاه عارية تلطخها البقع الخضراء في منطقة عذريتها، ومستشفى مليئة بجثث؛ وأحياء تدب فيهم الروح، ولكنهم ممزقون وعليهم أيضا نفس البقع الخضراء، وللتدليل على خطورة حالتهم، فقد تنازل المرضى لهم – داخل غرفة العناية المركزة – عن أماكنهم. هكذا يبدأ الفيلم.. ماقبل لوحات الأسماء.(Avant Titer ).

الحروب تأتى من الداخل
ومن رؤية بالغة الأسى لضحايا ممزقون بحركة قطع حادة، ننتقل إلى عالم آخر. نهارً، مليء بالحياة والفرح، فنكتشف أنه زفاف بطلة الفيلم “ماريان” التى لعبته الممثلة ” نايان جونزاليز نورفيند ” فهى تنتمي لعائلة مكسيكية ثرية، فنراها ترتدي حُلة حمراء ونرى المدعوون يرتدون أفخم الثياب، ويبدو أنهم من أثرياء البلاد، ومن حين لآخر نرى القبلات الطويلة بين العروسين، ويظهر الأب متحدثًا مع أحد المدعوين عن صفقات عمل. وفي أثناء ذلك قد بدت العروس مستاءة مما يحدث حولها، ثم تظهر الأم المنشغلة بمتابعة الحفل، مترقبة وصول القاضية لإتمام الزواج، ولكن الشك والترقب يبدوان على الاجواء، وينذران بحدوث شيء ما، وتتجسد بذور ذلك الخوف في اللقطة السينمائية، بداية من لون المياة الساقط من الصنبور، وتحولها إلى لون أخضرللحظة، وبالتوازى نرى البقع الخضراء على أحد السيارات فى الخارج وحتى على احد المدعوين ، وأصوات طائرات تؤهلنا لخطر ما أيضًا، ومن هنا، قد قادنا اللون الأخضر لفكرة التشفير اللوني، فنعلم أن اللون الأخضر يشكل علامة الخطر المميزة داخل أحداث الفيلم.

صراع بين الطبقة والفئة
ويظهر داخل الحفل رجل مكسيكى نعلم أنه كان خادمًا داخل الفيلا فى فترة ما سابقة، وتعانى زوجته التى كانت تعمل أيضا معه داخل الفيلا مرض خطير يستوجب تحضير مبلغ كبير من المال، فيذهب الخادم إلى الفيلا يوم الزفاف محاولًا الاقتراض، ولكن الأسرة الثرية لا تستطيع تدبير سوى مبلغ ضئيل، فيصر الخادم على البقاء مستجديًا باقي المبلغ، ولكن الأم والأخ يقومان بطرده بطريقة ناعمة، فيرحل.
أما البطلة التي كانت على علم بما تعانيه زوجته فقد كانت تصر على تجميع المبلغ بأكمله لإنقاذ خادمتها القديمة، وتنتقد معاملة الأم والأخ والزوج السيئة للرجل، فمن خلال هذا التناقض الواضح في ردود الفعل قد أظهر لنا الفيلم الوجه الإنساني للبطلة. وزيادة على هذا تقرر هي ترك الحفل لثوان وتتجه لمنزل الخادم لمساعدته بمساعدة ابن خادمتها، وبالتوازى يظهر أشخاص يشبهون الزومبی، ملطخون باللون الأخضر على وجوههم وملابسهم، ويقفون على أسوار الفيلا من الداخل، يرقبون الحفل ويحملون زجاجات ألوان خضراء، فمن خلال الشفرة السابقة نعلم من هنا أنهم طرف الخطر (الأخضر) القادم الذي ننتظره منذ افتتاحية الفيلم، وها هم يعلنون ثورتهم داخل الفيلا بما يشبه ثورة الجياع. يدمرون يقطعون ويسرقون بدم بارد، وقد انضمت إليهم خادمة كانت تشارك في التحضير للحفل، في بداية الفيلم، بوجه ساخط ظهر فى إحدى اللقطات السابقة، وقد بدا على ملامحها حينها الكثيرمن السخط والكراهية؛ فنراها وهى تسرق الملابس والأموال وهى مبتسمة وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة، فقد استطاع المخرج بالفعل أن يؤسس للبواعث النفسية – لتلك الطبقة –التي من الممكن أن تكون سببا قويا لقيام الحروب والدمار. من خلال دورثانوي في أحداث الفيلم. وعلى طرف آخر، تظهر خادمة أخرى في محاولة حماية أصحاب الفيلا رغم انتمائها لنفس طبقة زميلتها التي كانت تدمر المكان. في سلوكها المتزن تجاه فكرة الأمن ربما أراد المخرج أن يضعنا كمشاهدين أمام ما ننتهجه في التعامل مع السلطة القامعة، بما يشبه متلازمة ستوكهولم ، ولكن في النهاية، فلم ينجو من تلك المذبحة إلا العريس والأخ والخادمة. ويؤسس الفيلم بشكل مباشر لفكرة الصراع الطبقي في هذا المجتمع. وما نتج عنها بما يشبه ثورة الجياع الجماعية التي تمثلت في ثورة اجتماعية عارمة والانقلاب على السلطة الحاكمة، من قبل مجموعة من المترمدين، في محاولة منهم إعادة ترتيب النظام الاجتماعي، (New Order).

حتمية النتائج ووجود الدماء
وينقلنا المخرج إلى مشاهد ملحمية، تتكون من لقطات بانورامية، متسعة الزوايا. ترصد الدمار والوحشية والمذابح والحرائق التى سيطرت على البلدة بأكملها من قبل المتمردين، وخاصة المشاهد الجماعية فى معتقلات الرهائن المليئة بأبشع أنواع التعذيب، فيجمع البطلة /العروس التي دل لون حلتها الحمراء –التي ذكرناها آنفًا- إلى مصير مؤلم. فهي تتحول إلى أسيرة بجانب ألاف من جميع الجنسيات، فهم جميعا يتعرضون لأبشع أنواع المهانة الإنسانية، ومن اكثر المشاهد دلالة على هذا القهر، (مشهد اغتصاب الفتيات وكأنهن دمى، ومشهد الاستقبال الشهير في المعتقلات، المعروف بالاستحمام الجماعى، فيتم تجريد الجميع من ملابسهم، وغسلهم بالمياة بواسطة الخراطيم، وصعقهم بالكهرباء عرايا، وتصويرهم بواسطة كاميرا فيديو، لطلب فدية من ذويهم، ولكن هذه المقايضة لا تتم، فتاكيدًا على رصد المأساه التي يمرون بها، فبعد حصول الخاطفين على الفدية يقومون بقتل الرهائن.
وقد يتساؤل المشاهد في لحظة ما أين السلطة المسيطرة على هذا الفضاء الاجتماعي، وترد إجابات الفيلم، متوالية، ولكن أثناء مجموعة من المشاهد لعب فيها شريط الصوت دورًارئيسًا. ففي حالات الخوف والزعزالتى تتصدر من شريط الصوت طوال أحداث الفيلم مستخدمة العديد من المؤثرات الصوتية، خاصة فى الجزء الثانى المستخدمة كخلفية فى مشاهد المعتقلين الذين يصرخون من الألم، نكتشف أن المتهم هو الأصيل في تلك المأساة هو الرئيس المكسيكى الفاسد – وجه السلطة – المسيطر على الفضاء الاجتماعي، الذي من المفترض أن يكون هو مصدر الأمان الاجتماعي، فهو يقوم باللعب مع كل الأطراف، يندد بالمرتدين، وهو في الأساس على علاقة قوية بهم، ويتقاسم معهم أموال الفدية تلك،. وما بين الخاص والعام، نرى أن دراما الفيلم الخط الرئيسي في الأحداث وهي العروس،تقتل مع من يقتلون، ولكن الفاجعة أن تتهم خادمتها التي قامت بحمياتها في قتلها بمساعدة ولدها.

أستخدام التضاد الايقاعى للتأكيد على أزدواجية الصراع
اعتمد المخرج فى خلق الإيقاع على عنصر التضاد الواضح في الطبقة الاجتماعية بين أبطاله،العائلة الأرستقراطية والمتصقة بطبقة الخدم، المترمدون الثوريون و السلطة القامعة، وأيضًا اختيارالحدث الاقتتاحي في الدراما، وهو حفل الزفاف لإبراز التضاد في الصورة والحالة والمعنى فى الصراع بين ما قبله وما بعده، بين الحياة والموت ؛ والتضاد النفسي في نفس الفئة الاجتماعية، بين الخادمتين، فنرى الأولى التي تسرق مابداخل المنزل وتعبيرات الانتصار والتشفى على وجهها وهي تبتسم، بينما الأخرى التى ظلت تحاول طول أحداث الفيلم الحفاظ على أصحاب المنزل وحمايتهم، كل هذه التقابلات الحادة خلقت صراعًا إيقاعيًا كبيرًا، وأيضا رصد العلاقة بين صورة المواطن (الخادمة) التى ترمز الى الشعب البسيط الذى يتهم بالقتل ويعدم، وصورة السلطة ( رئيس المكسيك ) الذى ينهب وينشر الفساد، ولكنه يظل في أرفع مكان وهو رأس السلطة.
اللون ثورة تحريضية
إن اختيار المخرج لدلالة اللون الأخضر التى تحمل معانى السلام والنماء والحياء والمساواة، فقد كسر أفق دلالة اللون، بتشفير جديد بالألوان خاص بالفيلم وحده، وكأنه (New Order)، من خلاله يعيد ترتيب الألوان، بدلالاتها الاجتماعية والثقافية، نظام جديد خاص به يختلف، فيجعله المخرج صدمة للجمهور، فقد أراد عن طريق تلك الثورة اللونية أن يحريض، داعيًا الجمهور إلى تغيير نظرته لدلالات الأشياء من خلال قصيده الفيلمي، وأن يعيد المتلقي تأويله تجاه لون يجسد الحياة بأنه يتحول إلى لون يجسد ثورة تحريضية من خلال الدلالة اللونية.
(لا أحد…؟) فالكل متساوى
فيلم new ordre يعيد ترتيب أولياتنا تجاه نظرتنا للسلطة، ويدعوا أن نعيد نظرتنا للعلاقة بين المواطن والسلطة، التى لا تفرق بين الطبقات، فالكل فى نظرها متساو. إذا وصل الامر إلى تعارض مع مصالحها، فالمواطن كالدمية تستخدمها الأنظمة السياسية، لأهوائها ولخدمة بقائها مسيطرة على الفضاء الاجتماعي في مجتمع ما. فلا يوجد سقف ولا خط أحمر لسطوتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *