
ماذا سيحدث في حال أن تم حل الطعون القانونية لصالح بايدن؟ هل سيختفي الرئيس السابق من الساحة السياسية؟ هل سيحدث انتقالٌ سلميٌ للسلطة؟ هل سيحضر حفل التنصيب؟ إن طريقة استجابة ترامب لسقطته حتى الآن تنبئُ بأن هذا ما لن نشهده، فإقالته لوزير الدفاع هي مجرد فاتحة لسلسلة من القرارات والإقالات التي غالباً ما سنسمع عنها قريباً، ومن غير المستبعد أن تكون هاسبل مديرة المخابرات هي الضحية التالية بسبب رفضها الامتثال لأوامره المطالِبة بالكشف عن ملفات التدخل الروسي في الانتخابات قبل أربع سنوات، بل ومن غير المستبعد أن يقوم -في حال نفاذ حيلِهِ في الوقت الحاضر- بالانتظار إلى حين موعد الانتخابات القادمة بُغية الترشح مجدداً.
ربما هذا التجاوب السلبي مع النتائج الانتخابية هو الفارق بينه وبين رئيس وزراء إيطاليا السابق برلسكوني، رغم التآلف بينهما في أمور أخرى؛ فكلاهما ناشطان سياسياً، متخصصان في هندسة المشاريع، متهربان من الضرائب، معروفان بعلاقاتهما المتعددة مع النساء رغم انتمائهما لليمين المحافظ، وكلاهما أصيبا بفيروس كورونا مؤخراً. لكن “الفارس” الإيطالي -كما يُلقب- لم يصل به حد الجنون إلى شجْب ديمقراطية بلده، فعندما تم اقصاؤه لم يحسب الأمر تواطؤاً ضده بل جزءاً من العملية السياسية التي صدَّرَت إليه منصبه في الأساس. فالفارق بينهما هو أن برلسكوني، الذي عُرف عنه سلوكه المتغطرس، قد كان يضع حداً وضوابط لسلوكياته في المواقف التي تستلزم ذلك، بل وأنه بنفسه قد صرح مؤخراً بأن ترامب قد خسر بسبب “الإفراط في الغطرسة”.
إنه من السخرية أن نرى ترامب اليوم منقبضاً بسبب العملية الانتخابية التي يصفها بالمزورة، ويتجاهل أن التلاعب بالانتخابات هو ما منحه مقعده الرئاسي في الأساس. ومع ذلك فإنه من الصعب -في السنين القادمة- أن نتخيل ترامب كجزء من الماضي السياسي للولايات المتحدة مثلما حدث مع أوباما، فالسيناريو الذي يمكن أن نتكهَّنه هو استمراريته في حشد التجمعات من أتباعه، وتحريض الجمهوريين على بايدن، وتأجيج النار بين الحزبين الرئيسيين. وبسبب قيامه في الأيام الماضية بتعيين أنصاره في المناصب العليا، فإن السيناريو الأكثر دَمامة سيكون محاولة ترامب إدارة شؤون البلاد وفرض السيطرة من خلف الكواليس، حتى بعد تسليم الحكم.
هذا أيضاً ما يميزه عن توأمه السياسي، فبرلسكوني لم يحاول إقصاء الليبراليين من الساحة السياسية، ولم ينتهج أبداً سياسة التحريض بين اليمينيين والليبراليين الإيطاليين، بل ورغم كل فضائحه العديدة حافظ على احترامه حتى بين غُرماءه، فقد كان يعرف كيف يغيب عن المشهد عوضاً عن المقاومة العبثية، ومتى يُناوش، ومتى ينسحب لتهدئة الوضع، على عكس ترامب الذي يفتقر إلى الكثير من الحُنكة والدروس في فن الدبلوماسية.
على ترامب أن يحذو حذو برلسكوني بأن يستوعب أن أفضل شيء يمكنه فعله حالياً هو تجاوز مرحلة الهزيمة والانتقال لمرحلة جديدة في حياته، عوضاً عن أن يفاقم أزمته بسياسة الانتقام وبمحاولاتٍ منكودةٍ تجعله محط السخرية. عليه أن يتخلص من هاجس النصر المطلق وأن يستبصر الجانب الإيجابي في المسألة، فهو قد حصل على ثاني أعلى عددٍ من الأصوات الناخبة في تاريخ الولايات المتحدة، فينبغي أن يستثمر هذا التجمهر الشعبوي للعمل لصالح بلده، وأن ينسحب في الوقت الحاضر بأسلوبٍ يحفظ مكانته لدى هذا الجمهور.